بواسطة
يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين:

من نزل في التوبة وقام مقامها نزل في جميع منازل الإسلام فإن التوبة الكاملة متضمنة لها، وهي متدرجة فيها، فإذا استقرت قدمه في منزل التوبة نزل بعده منزل الإنابة" اهــ

وكلامه هذا رحمه الله مشعر بأن بين التوبة والإنابة فرقا وإن كان دقيقا ، وسيأتي بيانه إن شاء الله.

فالتوبة هي كما قال ابن فارس في معجمه :
التاء والواو والباء كلمةٌ واحدةٌ تدلُّ على الرُّجوع. يقال تابَ مِنْ ذنبه، أي رَجَعَ عنه يتوب إلى الله تَوبةً ومَتَاباً، فهو تائب. والتَّوْبُ التَّوبة. قال الله تعالى: (وَقَابِلِ التَّوْبِ( [غافر 3].

وبنحو ذلك قال صاحب اللسان.
والتوبة وإن كانت بمعنى الرجوع لكنها لاتطلق إلا على الرجوع إلى الحق.

وأما الإنابة فأصلها النوب وهو :
النون والواو والباء كلمةٌ واحدة تدلُّ على اعتياد مكان ورجوعٍ إليه .كما في معجم ابن فارس.

وقال صحاب تاج العروس :
ونابَ زيدٌ إِلى اللهِ تَعَالى : أَقبَلَ وتابَ ورجَعَ إِلى الطّاعَة كأَنَابَ إِليهِ إِنابَةً فهو مُنِيبٌ واقتصر الجوهريُّ على الرُّباعيّ . وقيلَ : نابَ : لَزِمَ الطّاعَةَ وأَنابَ : تابَ ورجعَ وفي حديث الدُّعاءِ.

ويفهم من هذين التعريفين أن الإنابة توبة وزيادة ، وليست بمعناه تماما، ففي الإنابة معنى اللزوم للطاعة بعد الرجوع بالتوبة، ولهذا قال ابن القيم ، نزل بعدها منزلة الإنابة.

وقد قال أبو هلال العسكري في الفروق اللغوية:
الفرق بين التوبة والانابة: قيل: التوبة هي الندم على فعل ما سبق.

والإنابة: ترك المعاصي في المستقبل.
ويؤيد هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي صححه الشيخ الألباني رحمه الله: (الندم توبة).

قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين:
و الإنابة الثانية إنابة أوليائه وهي إنابة لإلهيته، إنابة عبودية ومحبة وهي تتضمن أربعة أمور : محبته والخضوع له والإقبال عليه والإعراض عما سواه فلا يستحق اسم المنيب إلا من اجتمعت فيه هذه الأربعة وتفسير السلف لهذه اللفظة يدور على ذلك، وفي اللفظة معنى
الإسراع والرجوع والتقدم و المنيب إلى الله : المسرع إلى مرضاته الراجع إليه كل وقت المتقدم إلى محابه .
وقال في الفوائد: قوله (وجاء بقلب منيب) قال ابن عباس راجع عن معاصى الله مقبل علي طاعة الله وحقيقة الإنابة عكوف القلب علي طاعة الله ومحبته والإقبال عليه. ا.هـــ

فجعل من معانيها العكوف على الطاعة وهو بمعنى لزومها .

وقال في المدارج عند منزلة الإنابة:
النفس لها ثلاثة أحوال : الأمر بالذنب ثم اللوم عليه والندم منه ،ثم الطمأنينة إلى ربها والإقبال بكليتها عليه وهذه الحال أعلى أحوالها وأرفعها، وهي التي يشمر إليها المجاهد، وما يحصل له من ثواب مجاهدته وصبره فهو لتشميره إلى درجة الطمأنينة إلى الله، فهو بمنزلة راكب القفار والمهامه والأهوال ليصل إلى البيت فيطمئن قلبه برؤيته والطواف به، والآخر بمنزلة من هو مشغول به طائفا وقائما وراكعا وساجدا ليس له التفات إلى غيره، فهذا مشغول بالغاية وذاك بالوسيلة، وكل له أجر ولكن بين أجر الغايات وأجر الوسائل بونوما يحصل للمطمئن من الأحوال والعبودية والإيمان فوق ما يحصل لهذا المجاهد نفسه في ذات الله وإن كان أكثر عملا فقدر عمل المطمئن المنيب بجملته وكيفيته أعظم وإن كان هذا المجاهد أكثر عملا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.ا.هـــ

وهذه بعض أقوال المفسرين في ذلك:
قال الطبري رحمه الله في تفسيره:
عن مجاهد:(أوّاه منيب)، قال: القانت: الرَّجاع.
وقال القرطبي في تفسيره:
{وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} مقبل على الطاعة. وقيل: مخلص. وقال أبو بكر الوراق: علامة المنيب أن يكون عارفا لحرمته ومواليا له، متواضعا لجلاله تاركا لهوى نفسه. قلت: ويحتمل أن يكون القلب المنيب القلب السليم.

1 إجابة

بواسطة
 
أفضل إجابة
جزاك الله خيرا
مرحبًا بك في موقع الخبرة ، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...